الـمـصـباح .. مـجلـة نـوافـــــــــــــذ ثـقـافـيـة
للنشر .. شبكة المصباح الثقافية مجلة المصباح .. نوافذ ثقافية شارك معنا ..نرحب بكم ونتمنى لكم الفائدة وباب المشاركة مفتوح سجل معنا واكتب موضوعك ومشاركتك اهلا بكم
الـمـصـباح .. مـجلـة نـوافـــــــــــــذ ثـقـافـيـة
للنشر .. شبكة المصباح الثقافية مجلة المصباح .. نوافذ ثقافية شارك معنا ..نرحب بكم ونتمنى لكم الفائدة وباب المشاركة مفتوح سجل معنا واكتب موضوعك ومشاركتك اهلا بكم
الـمـصـباح .. مـجلـة نـوافـــــــــــــذ ثـقـافـيـة
هل تريد التفاعل مع هذه المساهمة؟ كل ما عليك هو إنشاء حساب جديد ببضع خطوات أو تسجيل الدخول للمتابعة.

الـمـصـباح .. مـجلـة نـوافـــــــــــــذ ثـقـافـيـة أدبية منوعة
 
الرئيسيةدروب أدبيةالتسجيلدخول
أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم، إذا كانت هذه زيارتك الأولى للموقع، فيرجى التكرم بزيارة صفحة التعليمـــات،  كما يشرفنا أن تقوم بالتسجيل إذا رغبت بالمشاركة في الموقع، أما إذا رغبت بقراءة المواضيع والإطلاع فتفضل بزيارة القسم الذي ترغب أدناه.
كما يكنك إضافة مقالك عبر /  إتصل بنا /

 

 ألعبد سعيد

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
للنشر

للنشر

المقالات : 707

ألعبد سعيد  Empty
26062010
مُساهمةألعبد سعيد

ألعبد سعيد

ترجمت هذه القصة إلى الفرنسية والألمانية ولغات أخرى ..

(2) ألعبد سعيد!
طرحت الجدة زبيدة عصبتها عن رأسها وأصلحت من وضع جلستها فوق كيس الخيش، وأخذت تروي قصة العبد سعيد للفتيات اللواتي تجمعن من حولها :
(( يجوز أن لا تصدقن هذه القصة يا بنات ، لكن وحياة أولاد أولادي أنني لا أكذب عليكن .. كنت ألعب مع أولاد العشائر في السهل الفسيح المنبسط أمام عشرات بيوت الشعر، وكان سعيد ابن عبد الشيخ علي يلعب معنا. كم شاهدت في حياتي أبناء عبيد لكني لم أشاهد مثل ذاك الإبن .. وحياة رأس والدي أنه كان كان ينقض على الأولاد كما ينقض الصقرعلى طيور الحجل .. ولد يا بنات
، ولد لم تلد مثله النساء من قبل .. فهو أطول من عمود البيت ،وله وجه لوحته السمرة ، وبلا ركبتين ، لذا كان يسبق كافة الأولاد في الجري .
وبينما كنا نلعب ذلك اليوم ، مر الشيخ علي يتبعه العبد قعدان .. كان أولاد العشائر يهجمون على سعيد من كل صوب ، فيصرخ في وجوههم ويبدأ بطرحهم أرضا واحدا بعد الآخر . أما نحن الفتيات فكنا نقف جانبا ونرقب المعركة باهتمام .. تصورن أنه كان يطلب من أبناء العبيد عدم التدخل في الصراع والوقوف إلى جانبه ضد أبناء العشائر ، إلا إذا هزم ، لكنه نادرا ما كان يهزم .
وعندما شاهده الشيخ علي ، وقف يرقبه في اندهاش من على ظهر جواده ، كان قد طرح كافة الصبية أرضا ، وعاد يقف إلى جانب أبناء العبيد، ونحن نقف في ابتهاج ، حتى أن صبية العشائر طأطأوا رؤوسهم خجلا منا .
التفت الشيخ إلى العبد قعدان وقال له ( إذا ما كبر هذا الطفل فلن تبقى امرأة في العشيرة إلا وتنزع ثيابها له ، اذهب وأتني به سأقطع خصيتيه ) !!
وقف العبد قعدان حائرا للحظة ، ثم تهاوى على الأرض وأخذ يبكي ويذر التراب على رأسه !! فقال له الشيخ :
- ما الذي ألم بك يا عبد النحس ؟
فقال العبد قعدان :
-إنه ابني يا سيدي الشيخ إنه ابني !!
فقال الشيخ :
-أنا لا يهمني إذا كان ابنك أم غيره ، يجب أن تحضره وإلا ستكون وذريتك مطرودا من عشيرتي
حتى سابع عشيرة إلى يوم الدين !!
ولكز الجواد فانطلق به نحو مضرب العشائر .
لم يجد العبد قعدان مفرا من ذلك .. نهض عن الأرض وسار باتجاه الأولاد . قاد ابنه من يده والدموع تتدحرج على وجنتيه.. وسار عشرات الأولاد من خلفهما ..
بلغ الخبر مسامع الناس فتجمعوا في الساحة أمام بيوت الشعر ، وأحاطوا بالعبد قعدان وابنه..
أشعل الشيخ النار ، وأحضروا له سكينا فوضع نصله فيها ..
قال سعيد لأبيه قعدان :
- لماذا أشعل الشيخ النار ووضع السكين فيها يا أبي ؟
فلم يعرف الأب بماذا يجيب، لكنه خاطب الشيخ :
- ألا يسمح لي سيدي الشيخ أن أبتعد لأنني لا أستطيع تحمل ما سيحدث .
فسمح له الشيخ قائلا :
- إلي بالولد ولتنصرف حيثما شئت :
أسلم العبد قعدان ابنه إلى الشيخ وانصرف .
أحس الولد بالرعب فأخذ يصرخ وينادي والده جاهدا لأن يفلت من يدي الشيخ ، لكن يدي الشيخ كانتا تتصلبان على معصميه عدا أنه أمر بإحضار الحبال ليقيدوا الولد ويشلوا حركته .
قيدوه من يديه ورجليه ، لكنهم لم يحدوا من حركته ، فأمسك رجلان بيديه ورجلان بقد ميه ..
ثم جاؤا بخيط من القنب حصروا خصيتي الولد أسفل كيس الخيصيتين وربطوا الخيط من فوقهما .
أخرج الشيخ السكين من النار فبدا أحمر كاللهب .. ابتعدت بعض النساء فيما أخفى بعضهن وجوههن .. وهرعت أم سعيد من بعيد وهي تصرخ ( ابني ابني ) مرر الشيخ السكين من تحت الخيط فقطع الخصيتين وألقى بهما بعيدا فلاحقتهما عيون الناس وهرع الأطفال نحو المكان الذي ستسقطان فيه !!
انقضت أم سعيد كلبوة فقدت أشبالها .. انتزعت الولد من بين أيدي الرجال وانطلقت به عائدة إلى البيت وهي تصرخ بحرقة وألم .
ألعبد سعيد (2)

قلت لكن أنه يجوز أن لا تصدقن يا بنات ، لكن هذا ما حدث بالفعل وهو ليس كل الذي حدث ، فقد كبر سعيد وأخذ يرعى قطعان الشيخ التي يزيد تعدادها على سبعة آلاف وخمسمائة نعجة وماعز . نعم يا بنات كان يرعى كل تلك القطعان وحده ، ويا ليتكن ولدتن من قبل لتشاهدن ذاك الفتى الأسمر ، إنه الراعي الوحيد الذي لم يكن يصطحب الكلاب معه ، وقد لا تصدقن أنه عندما كان الذئب يسطوا على قطعانه كان يجري خلفه إلى أن يلحق به ويخلصه الشاة التي خطفها ثم يسمه بوسم القطيع على أذنه ويطلق سبيله !!
إن هذا أغرب من الخيال يا بنات لكنه ما حدث بالفعل فلا تلمنني إذا ما تنهدت وبكيت بحسرة على ذاك الفتى الأسمر الطيب ن فكم من أرانب برية وذئاب وضباع وغزلان أمسك بها ووسمها بوسم القطيع واطلقها .
آه آه ..!! أما عندما كان يعزف على الناي أو المجوز أو الأرغول ، فهذا ما لا أستطيع وصفه لكن . قلت لكن يا ليتكن ولدتن من قبل لتشاهدنه ، فهؤلاء الرجال الذين تشاهدنهم الآن ليسوا رجالا !!
كان سعيد يجلس دائما على رابية عالية والقطعان تنتشر من حوله في الأودية وفي الجبال وبين الشعاب ، ويشرع في العزف :
تثبت كل شاة في مرعاها .. تتوقف الطيور عن تغريدها .. تمر أسراب القطا عبر الفضاء وتحلق فوق رأسه ثم تحط على مقربة منه .. تتوقف النساء عن قطع الحطب وتعشيب الزرع ، وقطف الحبيوة والبابونج ويجلسن يتنصتن .
تداعب أصابعه ثقوب المجوز بخفة .. ينتقل الصوت عبر الأودية والشعاب ليتردد صداه من قفر إلى قفر محمولا على أجنحة الريح !!تخرس كل نايات الرعاة وأراغيلهم ومجاوزهم .. تتجه أغنامهم إلى الناحية التي يسمع فيها صوت ناي سعيد .
تدور النشوة في رؤوس النساء اللواتي يحتطبن أو يغسلن الثياب أو يعشبن ، فيتسللن إلى سعيد وينزعن ثيابهن أمامه ، إذا لم يكن في مرأى من أعين الناس ، وإذا كان كذلك فكن ينزعن ثيابهن
في أماكن تقيهن العيون !
وذات يوم يا بنات – قربن آذانكن لأهمس لكن –كنت أحتطب في واد يرعى فيه سعيد قطعانه . سمعته يعزف فتسللت إليه .. نزعت ثيابي أمامه قطعة قطعة وجلست عارية بين يديه !! لم يتوقف عن العزف وخلال لحظات كانت نسوة كثيرات يتعرين ويجلسن أمامه خاشعات بين الحجارة والصخور !!
ألعبد سعيد
(3)
لا تصدقن يا بنات من يقول أن المرأة لا تؤتمن على سر ، فلم يكتشف أحد أن النساء يتعرين عندما يسمعن عزف سعيد ، على الرغم من أن أغلب نساء العشائر تعرين عند سماعه ولو داخل خدورهن !!
وجاء يوم يا ليته لم يأت ! آه آه فقد جاء فرسان الأتراك من القدس ليجمعوا الضرائب لخزينة السلطان . كانوا يجوبون الأودية والجبال بحثا عن القطعان لتعدادها وللحصول من أصحابها
على ضريبة عن كل شاة .
أقبلوا على سعيد .. كانت قطعانه تنتشر على مساحات كبيرة بين الأودية وعلى سفوح الجبال وقممها ..
قال له مأمور الفرسان :
- أنت الذي ترعى كل هذه القطعان ؟
- نعم يا سيدي المأمور .
- وحدك ؟
- نعم وحدي يا سيدي !
- وهل تستطيع حمايتها من الذئاب؟
- نعم يا سيدي .
- وكيف تتركها تنتشر بين حقول الزرع هكذا ؟
- إنه لم ينبت جيدا بعد يا سيدي المأمور ، ثم إنني طوعت قطعاني على عدم الإقتراب من الزرع !!!
وهنا صمت المأمور للحظات مخفيا دهشته من قول سعيد ، وراح يجوب بنظراته مختلف الجهات
فبدت له الأغنام أكثر من النمل ، فاحتار في أمره ولم يعرف كيف سيعدها .. نظر إلى سعيد :
- قل لي أيها العبد !!
- نعم يا سيدي المأمور .
- ألا تتفقد قطعانك كل يوم ؟
- نعم إنني أتفقدها يا سيدي .
- كيف ؟
- أقوم بعدها يا سيدي !
- ألم يسبق ووجدتها تنقص شاة أو أكثر ؟
- لم يسبق يا سيدي !
- وكم تعداد قطعانك ؟
- سبعة آلاف وثمانمئة وإحدى وثمانون شاة يا سيدي !!
- وهل كلها لسيدك ؟
- إنها لكل العائلة يا سيدي لكن سيدي يملك أكثرها .
وصمت المأمور قليلا .. نظر إلى وجوه الفرسان ، ثم نظر إلى سعيد :
- اسمع أيها العبد !
- نعم يا سيدي .
- أنا أصدقك ولن أقوم بعد القطعان ، لكنني لن أبرح مكاني هذا قبل أن أرى كيف تجمعها وتعدها ، ما رأيك ؟
صمت سعيد للحظة موجسا أن يحدث له شيء، قال :
- هل يحلف سيدي المأمور بالله ورأس السلطان أن لا يمسني بسوء إذا ما فعلت ذلك ؟
- إنني أحلف أيها العبد !
وهنا اعتلى سعيد صخرة عالية يا بنات ، هيأ مجوزه وشرع يعزف لحنا خاصا ..
نزل الفرسان عن خيولهم حين أدركوا أنهم سيسمعون عزفا غير عادي ، وجلسوا على
الحجارة ينصتون وينظرون إلى القطعان ..
أخذت الأغنام تهرع من كل صوب وتقف في طوابير منتظمة أمام سعيد .. انتظمت النعاج في طابور والمعز في طابور آخر .. وصلت كافة الأغنام وانضمت إلى الطابورين .. توقف سعيد عن
العزف لكنه لم ينزل عن الصخرة .
همس المأمور في اذن معاونه :
- قل لي برب الكائنات ؟!
- ماذا يا حضرة المأمور ؟
- إذا كان هذا فعل العبد بالأغنام ، فما بالك بالنساء بالله عليك ؟!!!
همس المعاون دون تردد:
- أعتقد أنهن يشمرن له عن أفخاذهن يا حضرة المأمور !!
ونظر المأمور إلى سعيد نظرة ماكرة :
- ألا تنزل أيها العبد ؟
تنبه سعيد بفطنته إلى أن المأمور يبطن له الشر !!
- لن أنزل يا سيدي !!
اعتلى المأمور جواده وحاول أن يصعد إلى سعيد ، لكنه لم يظفر به ، فقد وثب سعيد عدة وثبات
وراح يتسلق صخور الجبل ، فلم يستطع الجواد أن يلحق به ، لكن المعاون تنبه إلى أمر هام ، فالتفت إلى المأمور :
- جاءتني فكرة يا حضرة المأمور!
- ما هي قل ؟
- أعرف أن هؤلاء العبيد يحرصون على القطعان التي يرعونها أكثر من حرصهم على أنفسهم ، فإذا ما أوهمنا هذا العبد اننا سنأخذ قطعانه ، فسيلحق بنا لاستردادها .
- انت مدهش يا حضرة المعاون ، هيا بسرعة ولننهل على الأغنام بالسياط.
- أحاط الفرسان بالمعز والنعاج وانهالوا عليها بسياطهم وساقوها أمامهم . جن جنون سعيد فأخذ يصرخ من على صخرة مناديا :
(ألم تحلف بالله ورأس السلطان أنك لن تمسني بسوء يا سيدي المأمور فلماذا تأخذ قطعان سيدي )؟
خاطبه المأمور بأعلى صوته:
( لن نفلت الأغنام إلا إذا سلمت نفسك لنا ايها العبد )!
شاهد الناس الفرسان يسوقون القطعان فأخذوا ينظرون من على قمم الجبال..
هرع سعيد خلف الفرسان وهو يدرك في قرارة نفسه انه يسلم نفسه إلى قدره .. لحق بهم .. لم يكن خائفا .. نزل الفرسان عن خيولهم . أمسكوا به .. قيدوا قدميه وطرحوه أرضا .وضعوا يده اليسرى على حجر .. استل المأمور سيفه وأهوى به على أصابعها فبترها .....
(4)
ايه يا بنات .. قلت لكن أن لا تلمنني إذا ما تنهدت وبكيت ، فكم تغير العبد سعيد بعد ذلك .. لم يصدق أحد ان هذا هو سعيد الأمس ، فقد ترهل كل شيء فيه ، ضمر جسمه ، وبرزت عظام صدغيه ، وغارت عيناه في رأسه ، وتهدل هدباه ، وخارت قواه ، ولم يعد يهتم بنفسه ، وأهمل قطعانه ، فلم تعد تذعن له ، وأصبح يتعذب كثيرا في السيطرة عليها وجمعها ..
وذات يوم داهمت الذئاب قطعان سعيد ، فهربت القطعان أمامها .. راحت الذئاب تشتتها بين الأودية وعلى سفوح الجبال وكلما لحقت بشاة فتكت بها وتركتها لتلحق بأخرى .. إلى أن أتت الكثير من الأغنام ..ولولا هروع الناس من البيوت لأتت على معظم القطعان ..
حين بلغ الخبر مسامع الشيخ جن جنونه، وانهال على سعيد بالضرب المبرح ما أن مثل أمامه .
وأقسم برأس والده أنه سيجعل منه عبرة لكل العبيد إذا ما شاهده في ربوعه .
هام سعيد على وجهه لا يعرف أين تجره قدماه ... وانقطعت عنا أخباره منذ ذلك اليوم يا بنات .)
نهاية



محمود شاهين
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://doroob.own0.com
مُشاطرة هذه المقالة على: redditgoogle

ألعبد سعيد :: تعاليق

للنشر
جسدي بين صبرا وبسمه / قصة
مُساهمة السبت يونيو 26, 2010 2:29 am من طرف للنشر
جسدي بين صبرا وبسمه .. قصة

جسدي بين صبرا وبسمة
( نشرت عام 2000 عن وزارة الثقافة الفلسطينية في رام الله
ضمن مجموعة قصصية تحمل عنوان : موتي وقط لوسيان )
ستأتي بسمة ، وجسدي الذي أراه دائما مسجى في تابوت ، أو محمولا على نعش ، أو مطروحا على رصيف مهجور ـ متآكل كرمة نهشتها الكلاب ، متصدع كجدار قديم ، مشروخ كجذع نخره السوس ... شروخ كثيرة تغرز براثنها في كل أنحاء جسدي ، تنيخ بكل كلكلها على كاهلي فأنوء تحت وطأتها ، وعبثا أحاول أن أعدل كتفي ، أرفع ظهري . ..
ثمة شرخ يمتد في جسدي من عام 1948وحتى عام 1986. عام 1948 هو العام الذي جئت فيه إلى هذا العالم ، وهو العام الذي احتل فيه موطني ، أما عام 1986 فالجميع يعرفونه جيدا ، فقد بات فيه معظم زعماء قومي أصدقاء لمن احتلوا موطني .. !!
وثمة شرخ يمتد في جسدي من المحيط إلى الخليج ، فقد تحطمت طموحاتي كلها : في الحرية ، الإشتراكية ، الوحدة ، التحرير ، التحرر ، الإنعتاق ، الديمقراطية ، تحطمت كلها ، ولم يعد هناك ولو شمعة واحدة تنوس أو تخبو في حلكة ظلامي ، شمعة واحدة فقط ، وإنني أتحدى كل صادق أن يثبت العكس !
أية شروخ هذه بحق الكائنات ؟ هل هناك ثمة قوة يمكنها أن ترمم هذه الشروخ الفظيعة في جسدي ؟! لا لا ! لأهرب من شروخي كلها ، ولأنتظر بسمة ، بسمة الباسمة ، بسمة الإبتسامة ، فرح يقف في مواجهة كل شروخي ، شمعة منيرة دائما في ظلام ليلي ، أمل يطل دوما من خلف أسوار حزني ..
الصمت داخل الغرفة قاتل ، والضجيج في الخارج قاتل ، رسومات الملصقات على الجدران تحدق إلي وأحدق إليها :
رسم لحمامة مصلوبة ، جسدها قنبلة وجناحاها أطفال صبرا ، رسم لدبابة يقطعها حرف X وإلى جانبها طفل قتيل من أطفال صبرا . رسومات كثيرة قوامها دماء صبرا . صبرا اختصار قتلي ، صبرا دمي المسفوك دوما بالرصاص الأخوي ، وباسم العدالة والإرهاب والفوضى ، باسم جراحات الوطن المستلب ـ باسم صمودي وباسم استسلامي ، باسم حياتي وباسم مماتي ، وباسم الحرص علي ! والحرص مني علي !!
لم يبق شيء إلا وسفك من أجله أو بسببه دمي ، ولم تبق بلاد دون أن تشردني ـ ولم تبق أرض دون أن تبددني ، أي جنازة لم ألبس كفنها ؟ وأي عباءات لم أحمل عفنها ؟ وكم من( بطولات) لم أدفع ثمنها ؟
الكهرباء مقطوعة .. وجسدي يتصبب عرقا .. مع أن الوقت ما يزال صباحا .. في الخارج تضج أصوات المنادين على الخضار وابواق باعة المازوت التي تضرب على أعصابي ، تشل تفكيري ، أدفع السدادتين عميقا داخل أذني ، وأتبعهما بسدادتين أخريين . أنجح في الهروب من الضجيج والصخب ـ لأغرق في الوحشة والصمت . الضجيج يقتلني والوحشة تقتلني ..
في الحادية عشرة ستأتي بسمة ، لتنقذني من وحدتي وشروخي .. من الصمت القاتل .. من ملصقات صبرا وشاتيلا ويوم الأرض وتل الزعتر ، و(الأياليل ) السود التي تعج بها جدران بيتي ، كل جدران بيتي ,..ذات يوم هربت فتاة من بيتي بعد أن أبدت رغبتها في مشاركتي سريري طوال الليل ، كان حلمها كما قالت أن تمص قضيبي وتولجه إلى أعماق حلقها ، غير أنها وما أن دخلت البيت لأول مرة وراحت تتأمل الجدران ، حتى هتفت بهلع ( يا ألله كم أنت مليء بالموت ، كيف تنام وكل هذه الدماء تحيط بسريرك ) ؟ همست لها : ( إنها نصف حقيقتي يا عزيزتي ، إن لم تكن حقيقتي كلها ، ويبدو أنني أصر على عدم الهروب منها أو نسيانها ، فأجعلها تشاركني حياتي ، أغمض عيني عليها ، وأفتحهما عليها ـ ولقد اعتدت الأمر ـ ولا أظن أنني قادر على مبارحته )
وزفرت صديقتي نفسا عميقا ( آسفة أنا لا أستطيع أن أشاركك سريرك ضمن هذه الأجواء ، بيوت قياداتكم ليست هكذا ، ألا يوجد مكان آخر لديك ؟ ! )
( لا للأسف لا يوجد ، حتى لو و جد ـ فلن أستطيع أن أعيش فرحي خارج هذا الحزن ، فالحزن أصبح حقيقتي ، وعندما أعيش فرحي في ظله ، أتمتع بالفرح إلى حد لا يمكن أن يبلغه إلا من هو مثلي )
( لا يا إلهي ! هل أنت بكامل عقلك ؟ )
( أدعي ذلك ! فالفناء والبقاء ، الحزن والفرح ، الشقاء والسعادة ، الألم واللذة ، الكره والحب ، القهر والحرية ، التشاؤم والتفاؤل ، الدم والورد ، أمران متعددا الوجوه ، ملازمان لي ـ ولا يمكن أن أشعر بأحدهما دون أن أشعر بالآخر ، ثم إن أحدهما لا ينتفي إلا بالإحلال المطلق للطرف الآخر ، إنها معادلة معقدة جدا يا عزيزتي ) !!
( ربما تكون مريضا يا محمود ـ يجب أن تراجع طبيبا مختصا بالأمراض النفسية ، أستودعك )
وهربت .. هربت إلى غير رجعة . لتذهب هي وأيري وقيادتنا إلى الجحيم !!!
بسمة ليست من هذا النوع من الفتيات .. بسمة تشاركني فرحي وحزني .. أمامي ساعة ، سأغتسل وأتعطرقبل أن تأتي .أنا دائما أغتسل وأتعطر قبل أن تأتي .. لا أريدها أن تنفر مني .. لأظل ذكرى جميلة في حياتها ـ بل أجمل ذكرى في حياتها إن استطعت .



اغتسلت . تعطرت . احتسيت القهوة . الزمن يسير بطيئا جدا .. يقتلني الإنتظار . يقتلني العد التنازلي نحو الحادية عشرة .. بقي عشر دقائق وتصبح الحادية ...الرسومات التي رسمها لي رسامون أصدقاء تمثل أمام عيني :
هذا أطال شاربي أكثر مما هما عليه ، وذاك بالغ إلى حد كبير في طول أنفي وانحنائه ، وهذا بالغ في مساحة الصلع التي تتوسط رأسي ، وذاك في تمثاله الصغير الذي فارق الحياة جعلني أقرب إلى الإنسان الميت مني إلى الإنسان الحي . رسام واحد لم يبالغ في طول ذقني ، غير أنه جملها أكثر مما هي عليه .
خمس دقائق وتأتي بسمة . خمس دقائق فقط . هي في الغالب تأتي في الحادية عشرة . إذا لم تأت ستتصل . يجب أن تتصل . هي تعرف انني أنتظرها ، لكنها لا تعرف أنها لم تغب عن بالي طوال اسبوع . منذ آخر مرة التقيتها ، وكان لقاء فاترا للغاية ، جاءت بصحبة موله بها ، في الوقت الذي أمضيت الليل في انتظارها ، واغتسلت وتعطرت في الصباح ، وهيأت نفسي للقاء ممتع مع الحياة .ومنذ ذلك اليوم لم تغب من مخيلتي . هي في الحقيقة نادرا ما تغيب من ... وكلما انقلبت على السرير خلتها بين ذراعي ، ورحت أضمها وأشد الغطاء إلى جسدها لأقيها نسمة برد قد تأتي على حين غرة . ..
ثلاث دقائق وتأتي . هي لا بد في الطريق الآن . سأطل من النافذة ، ولأنزع هذه السدادات من أذني :
تلك فتاة قادمة من أول الشارع . إنها هي حتما . يتبدد كل الصمت المحيط بي ، لن أعود إلى الوحدة الموحشة إلى الأبد . يقترب شبح الفتاة .. رباه!يا يسوع المعذب ، إنها ليست هي .
لا بأس ، ثمة سيارة قادمة ستكون فيها . إذا توقفت السيارة تحت نافذتي فهي فيها حتما .
المح طرف رداء امرأة ترتدي ثوبا أصفر ، تجلس في المقعد الخلفي ، ( إنه أحد أثوابها ) . أرى رأس الفتاة . شعر أسود كحلكة الليل . إنه شعرها . ثم إن الفتاة سمراء مثلها تماما . يهبط قلبي فرحا . تقترب السيارة وتمر من تحت النافذة وتنعطف متابعة طريقها . ( أف أف أف ) وأبتعد عن النافذة لأغرق في صمت البيت .
دقيقة واحدة وتصبح الحادية عشرة . ستأتي الآن أو يرن جرس الهاتف على الأقل . لأعود إلى النافذة ولأنتظرها . أريد أن أرى إطلالتها ، هي في العادة تلقي نظرة نحو النافذة ، قبل أن تنعطف إلى البناية ، وتشرع في صعود الدرج المتعب . ، وعندما تنظر ألمح طيف ابتسامتها . هي لا تستطيع أن تفعل أكثر من هذا ، نظرا للعيون الكثيرة التي ترقبها .
ثمة فتاتان قادمتان ، لا بد أن تكون إحداهما هي . ربما أتت مع صديقة لها . لالا ، الفتاتان ممتلئتان ، وهي ليست ممتلئة إلى هذا الحد . تمر الفتاتان من تحت النافذة وتنعطفان ، أرقبهما وهما تبتعدان ، إلى أن يلفهما زقاق فرعي .
أوه .. إنها الحادية عشرة ودقيقتان .. إذن بدأ العد التصاعدي .. سيقتلني العد التصا.. والصمت الثقيل يطبق على الغرفة كوحش كاسر . يرن جرس الهاتف . أهرع ، إنها هي حتما :
- ( هلو استاذ محمود أتريد لحمة هذا اليوم )
اوه يا رب ! أيوه أبو رياض ابعث لي كيلوين شرحه . وأقفلت الخط . لكن لمذا كيلوين بحق السماء ؟ لنأكل انا وبسمة اليوم وغدا .. لنأكل كثيرا ولنشبع لحمة طازجة طرية ، فلن أجد في المستقبل لحاما مثل هذا اللحام . شاهدته بالأمس خلال تشييع جنازة جارنا ، ترك محله وجاء يشارك في تشييع جنازة ... جارنا الذي دهمته سيارة وهو يسير على الرصيف ، نعم على الرصيف ! فقد كان اثنان يتسابقان بسيارتيهما ، وجنح أحدهما نحو الآخر إلى أن ضيق عليه ، فلم يكن أمام الآخر إلا الهروب إلى الرصيف ليدهم جارنا .. جارنا الطيب البسيط الهادىء جارنا الكردي ذا الأطفال الثمانية فقط !!
مرت عشر دقائق .. عشرون دقيقة .. نصف ساعة .. لم تمر دقيقة دون أن أقف على النافذة ، ودون أن أعود إلى الصمت . وكلما شاهدت شبح امرأة ( وأنا على النافذة ) خيل إلي أنها بسمة ، وكلما شاهدت سيارة قادمة، انتابني إحساس أن بسمة فيها ، وكلما رن جرس الهاتف أيقنت أن بسمة هي الهاتفة . .. إلى أن أصبحت الساعة الواحدة بعد الظهر ، فقررت ( وتبين أنني لم ألتزم بقراري ) أن ألقي نظرة أخيرة عبر النافذة .
شاهدت فتاة ترتدي لباس الفتوة تقدم عبر الشارع ، كنت مقتنعا تماما أنها ليست هي ، فهي إذا شاءت أن تأتي إلي بلباس رسمي ، فستأتي بزي الجامعة . ، ومع ذلك لم أقطع الأمل ، ورحت ألتمس عذرا مقنعا لها ، لتردي لباس ... لم أجد عذرا .. .. . .. غير أنني لم أقطع الشك في أنها قد تكون هي .
مرت الفتاة من تحت نافذتي وهي تجمح كمهرة ، وضفيرة شعرها تلوح على ظهرها كلما نقلت خطاها .
أرهقت.. تعبت .. لا أستطيع أن أقرأ أو أكتب ، أو حتى أستمع إلى الموسيقى ، وليس في مقدوري مغادرة البيت ، فربما لديها محاضرة مهمة في الجامعة ، لماذا ألح عليها أن تأتي في أوقات محددة ، ثم إنها لم تقل لي أنها ستأتي في الحادية عشرة . ذات مرة جاءت في الواحدة والنصف ، ومرات كثيرة بين الثانية عشرة والواحدة .
وبعض المرات بين الرابعة والسادسة .. إذن ستأتي ..
عدت إلى النافذة . لم استطع إلا أن أعود إلى .... .
ثمة ساقان يلفهما بنطلون جينز ، تقدمان تحت أشجار الرصيف . لم أميز النصف العلوي للقادم ، ومع ذلك قد تكون هي ، سأنتظر إلى أن يبزغ من تحت الشجيرات .. يا للجحيم إنه شاب .
عدت إلى الداخل . ليس لدي إلا ثلاث زجاجات ممتلئة من البيرة ، سأذهب لاستبدال الزجاجات الفارغة . لكن ربما تأتي خلال غيابي ، سأترك الباب مفتوحا ، لا سأترك لها ورقة على الباب , لكن ماذا لو اتصلت هاتفيا . أوه ! لتتصل ولتعرف أنني لا أنتظرها ! ماذا تظن نفسها هي ؟
نزلت .. لم أستطع إلا أن أنظر إلى الإتجاه الذي ستأتي منه .. وظللت أنظر إلى أن طواني الزقاق المؤدي إلى حانة الخمور . لم أجد بيرة كالعادة . أبقيت الزجاجات في الحانة وعدت . ألقيت نظرة نحو الطابق العلوي في البناية . ربما جاءت ووجدت الملاحظة على الباب ، ووقفت تنتظر على نافذة الدرج . لم أر أحدا . إذن لأذهب إلى البقال وأبتاع بعض الخضار ، ولأمر على اللحام .
هذا اللحام يقتلني ببطئه وبرودة دمه ومحاولته اليائسة في أن يدخلني الإسلام منذ أن قلت له كاذبا ذات يوم أنني مسيحي !! لا بد من استراق بعض النظرات نحو الشارع بين شراء حاجة وأخرى . لا أريدها أن تمر دون أن تراني ، فربما تفهم الملاحظة التي على الباب حسب التوقيت العربي ، حيث لا يحس أحد بالزمن على الإطلاق .
فتغدو اللحظات ساعات والساعات لحظات !
إلقاء نظرة نحو الشارع يضطرني إلى الخروج من البقالة والسير لبضعة أمتار كي أشرف .. ألقيت النظرة الأولى بعد شراء كيلو خيار ، والثانية بعد شراء كيلو بصل ، والثالثة .. بعد كيلو بندورة .. والرابعة .. جرزة بقدونس ، وفي الخامسة كنت قد حاسبت البقال وحملت الخضار وعدت بسرعة إلى الشارع . رأيتها في كل الفتيات اللواتي كن يجبن الشارع .. لماذا أراها في كل الفتيات ...... .. ؟!
وتنبهت إلى أنني نسيت أن أمر على اللحام .. عدت. لم يرسل اللحمة بعد . دفعت ثمنها وهرعت نحو البيت .. لا بد أنها جاءت دون أن أراها . لقد امضيت من الوقت في انتقاء الخضار أكثر مما أمضيته في ترقب الشارع . إذن سأجدها تنتظرني أمام الباب ، طالما لم أرها تطل من نافذة الدرج ، بقي أمامي الطابق الأخير لأراها واقفة ،سأرى الآن إطلالة عينيها ـ إشراقتهما ، والإبتسامة العذبة تطوف على شفتيها .



لم تكن أمام الباب ..لكن ثمة جدار إلى جانب ... ربما اختبأت خلفه لتباغتني .. ( أه يا عكروته عرفت ألاعيبك ) وينتصب الباب أمامي كجدار سجن ، والملاحظة تصفعني على وجهي ( سأعود بعد لحظات )
أللعنة يجب أن أنسى هذه البسمة . لكن كيف أنساها ، إنها تأسرني ؟ دفعت الباب وأنا أهز رأسي بشدة في محاولة يائسة لطرد بسمة منه .
ألقيت أكياس الخضار على أرضية المطبخ وطرحت جثتي المشروخة على الأريكة . أحجار الشطرنج تنتصب أمامي على رقعتها كتماثيل صماء ، لو أن أحدهم يأتي لأغلبه ، فأنا لا أتصور نفسي إلا غالبا دائما ـ، والحق إنني نادرا ما غلبت ، وأنجح دائما في الإجهاز على خصومي . الشطرنج يسلب مخيلتي ، يستولي علي ، ينسيني الدم ، الصمت ، الموت، الضجيج ، العطالة، حتى بسمة . لكن لا أظن انني قادر على اللعب الآن ، فدماغي معطل ، معطل تماما ، ولا يشغله إلا الموت وبسمه ، بل بسمة وحدها ، ما يعنيني الآن هو... . بسمة ترمم شروخي ، تعيد إلي توازني ، توقف نزيف الدم الهتطل من شراييني .
إنها الثانية والنصف . لم تأت بسمة ، ومع ذلك تركت الباب مفتوحا ، لا أحتمل إلى أن أفتح لها ، ثم إنني أريدها أن تجد بابي وصدري مشرعين لها . بابي المغبر القذر العتيق المسويس ـ، وصدري المنخور المشروخ المتصدع . طز ! ماذا يعنيان أمام صدرها المتدفق بخصب الحياة ؟ سألتني ذات يوم بهمس ( لماذا تتأوه إلى هذا الحد وأنت تلقي رأسك على صدري ؟) فهمست ( كلما ألقيت رأسي على صدرك أحسست بالحياة تدب في جسدي الميت ، إنني أتلذذ بطعم الحياة ونعمة الله ) !!فكت ما بقي مشبوكا من أزرار قميصها وألقمتني نهدها وطوقت رأسي بذراعيها وراحت تضمني إليها ، فرحت أغرق أغرق ... ، أو لأقل رحت أحيا أحيا بعد موتي .
سمعت وقع خطوات تصعد الدرج . أرهفت السمع . هي حتما ! اقتربت الخطوات من مدخل البيت ، توقفت أنفاسي وعيناي تحملقان نحو الباب . امتدت يد سمراء لتجتاز العتبة وتطرق الباب المفتوح . ( تفضلي ) !!
وشاهدت طبقا من اللحم يسبق حامله . ( اللعنة ، إنه ابن اللحام ) !
( يقول لك بابا إنه لم يستطع تأمين أكثر من كيلو لحمه هذا اليوم ، غدا سيبعث لك بالكيلو الآخر . )
( طيب عمو طيب. شكرا )
ثمة خطوات أخرى تصعد الدرج . تحفزت ثانية . تجاوزت الخطوات المدخل نحو السطوح . لا شك أنها إحدى الجارات ، وقد صعدت لتنشر غسيلها . غرقت في حالة من الهذيان الصامت . ما أسميه ( هاجس فنائي ) يدفعني نحو صبرا ، وما أسميه ( هاجس بقائي ) يدفعني نحو بسمة ، ولم أشعر إلا ويد تمتد لتطرق الباب .. هزم هاجس فنائي شر هزيمة . فقد غابت صبرا تماما من مخيلتي وحلت بسمة بكل عنفوان شبابها وخصب الحياة فيها . ( أدخل ) !! وشاهدت طبقا ثانيا من اللحم يجتاز الباب ( يا رب هل سأجن هذا اليوم ) ؟
( يقول لك أبي أنه دبر لك كيلو من لحمة البيت )
( طيب طيب طيب عمو شكرا )
كم هو حقير هاجس فنائي هذا .. أحس بنشوة النصر فراح يطبق على روحي ويضغط على جسدي .. لم يكن امامي إلا أن أسترخي وأستحث هاجس بقائي على المقاومة ...
تجاوزت الساعة الثالثة وأنا أحدق إلى كومتي اللحم أمامي ، وعبثا أحاول أن أعيد إلى جسدي شيئا من توازنه ، وإلى روحي الميته دفقة من حياة ، وإلى أعصابي المتلفة قليلا من التماسك .
لا بد لي من تناول الطعام ..لأنهض .. أوقفت جسدي المتهالك .. دخلت المطبخ وأنا مشتت الذهن .. لم أعد أعرف مكان الأشياء . ولم اعد قادرا على جمع أفكاري للتمييز بينها .. أفتح البراد ولا أعرف لماذا فتحته .
أمد يدي إلى رف المطبخ وأنسى لماذا مددتها ، فتظل معلقة في الهواء .
ارتكبت حماقات كثيرة .. وضعت سكرا على الشرحات بدلا من الملح .. بينما وضعت كمية هائلة من الملح على السلطة والبطاطا .. أضفت إلى السلطة تشكيلة من البهارات لم أضفها إليها في حياتي . شطة ، فلفل أسود ، بهارات مشكلة ، نعنع ناشف ، قرفة مطحونة ، كمون ، سماك ، كاري !! كانت سلطة فانتازية . غسلت الشرحات بالماء وأعدت تمليحها .
تنبهت إلى أنني حضرت طعاما لي ولبسمة . ولماذا لا .؟ ستأتي حتما ! حضرت لها صحنا وشوكة ، وملأت كأسها بالبيرة ، وخلتها تجلس معي ، حتى أنني قرعت كأسي بكأسها !!
لأنتظر قليلا . لا . لآكل على مهل . ( بصحتك ) نسيت أن أملا صحنك . أللعنة على أبي ـ، أبي الذي كان يمتص الذبابة عندما تقع في صحن اللبن أو كأس الشاي ، حتى لا يذهب ما علق بها سدى . أبي الذي قتل أحد إخوتي ، أبي الذي حاول قتلي أكثر من مرة ، لكن غريزة بقائي كانت تدفعني دائما إلى الإفلات من هراوة فأسه المشرعة ، أو تجعلها تقع على كتفي ، أو اي موضع آخر في جسدي .. أبي الذي جعلني أنزح من الضفة قبل أن ينزح منها أي فلسطيني آخر !!
( كلي يا بسمة ، كلي يا حياتي ، آسف لكمية الملح المرعبة ، للسلطة الفانتازية العجيبة )
يبدو أنني شبعت . تنبهت إلى أن صحن بسمة ما يزال على حاله .، وكأسها تطفح بالبيرة .
أللعنة ! إذن هي لم تأت ، والساعة تجاوزت الخامسة ، رباه لقد بات الأمل في قدومها ضئيلا جدا . آه يا أمي التي كان ابي يضربها أربع مرات في اليوم ! آه يا أمي التي لم أرها منذ ستة عشر عاما ، يا أمي التي ماتت دون أن أراها ، ودون أن تراني .. آه يا قطيعنا الذي كنت أرعاك .. آه يا جبال القدس التي عشت على بطاحك أول فرحي وشقائي .. آه يا حياة يا أول حب في الكبر !!يا أول بسمة في حياتي !! لماذا تقفزين إلى مخيلتي الآن وفي هذه اللحظات التعسة بالذات ؟! أين أنت الآن ؟ في القدس ؟ آه يا حياة ، هل ثمة ما هو أجمل من أن يكون الإنسان في القدس ؟ لا بد انك احببت غيري .. شيء طبيعي أن تحبي غيري .. وحتما تزوجت وأنجبت أطفالا كثيرين ، مثلما أحببت وتزوجت ، لكنني لم أنجب إلا طفلين لقصر يدي ، أو لعوزي ، أنت لا تعرفين ما معنى أن يعيل المرء طفلين وأمهما في الشتات ، يعتقد في كل لحظة أنهما سيموتان جوعا ذات يوم ، أو يتحولان إلىى متسكعين ، أو يقتلان في صبرا ، وما أكثر صبرا في حياتنا يا حياة .
حياة ؟!لن أنساك ما حييت ، سأتذكرك وأنا ألفظ أنفاسي الأخيرة . أعرف أنك غاضبة مني ، وأعرف انك انتظرتني لأيام وشهور وسنين .. لكن لم يكن الأمر بيدي .. والله لم يكن ... وهذا البيت الذي كنت أقذف لك بقبلاتي من شرفته ، كان مخبأ أو بيت أمن كما نسميه في التنظيم . لقد كنت فدائيا يا حياة ، لا أحمل هوية الكيان ، عدا أنني مطارد من عسكر الإحتلال ، وعسس الإحتلال ومخابرات وجواسيس ... فكيف أقول لك ذلك ، ثم كيف القاك ، وإلى أين سأتبعك ؟! أعرف أنك سئمت قذف القبل عبر الشرفات ، وأنت تحتارين في أمري ، لا تدرين ماذا أعمل ، وتظنين أنني تخليت عن كل شيء في حياتي ، إلا عن الجلوس في الشرفة ، لأرقبك ، وأختلس
إليك قذف القبل ... وجن جنونك .. أذكر عندما جن جنو... فارتديت ملابسك وحملت حقيبة يدك ، وأومأت لي من الشرفة أن أتبعك ، فأومأت لك بكل خلجة في جسدي أن لا تنزلي ، لأنني لا أستطيع أن أتبعك ، ليس في مقدوري النزول إلى القدس حتى من جبل الزيتون ! لكنك لم تصدقيني ، ونزلت لتقفي أمام البناية وتحدجيني بنظرات كلها إصرار ، وتومئي لي أن أتبعك ، وأنه ينبغي علي أن أتبع... فتبعتك !! قلت لعلني أستطيع الإقتراب منها لأقول لها شيئا من الحقيقة ، لكني لم أستطع الإقتراب منك ، فكل عيون أبناء جبل الزيتون كانت ترقب سواد عينيك الواسعتين ، جمال قوامك الصاخب بالعنفوان ، وأنت تحثين خطاك نحو موقف الباص ، دون أن تلتفتي خلفك .
تبعتك إلى موقف البا... وشاهدتك تصعدين إلى الباص من الباب الأمامي ، وعندما أيقنت أنني لم اصعد ، هرعت نحو الزجاج الخلفي ، شاهدت وجهك وهو ينضغط خلف الزجاج ، انكسار أنفك ، جحوظ عينيك ، ومئات التساؤلات الحائرة .. وأنا أحتضن رأسي براحتي يدي وأحاول أن أعبر لك ، أن أفهمك ، بعيني، بشفتي ، باختلاجات وجهي ، أنني لا أستطيع أن أتبعك إلى القدس ، لنضيع في زحمة الناس ، ونهرب من أعين الفضوليين والعسكر المدججين بالسلاح ، ونختلي بنفسينا في زاوية ما ، ركن ما ..
أعرف أنك لم تفهمي التعابير التي كانت منطبعة على وجهي .. وانطلق الباص يا حياة ، ووجهك ما يزال منضغطا خلف الزجاج ، وعيناك تحدقان بدهشة وحيرة ورجاء . وظللت أرقب انضغاط وجهك ... إلى أن ابتعد الباص ، ولم أعد قادرا على رؤية وجهك .. وانعطف الباص واختفى لينحدر إلى القدس ...
غادرت المخبأ ذلك المساء لأسباب أمنية يا حياة ، وبعد قرابة شهرين غادرت الأرض المحتلة كلها .. وظل انضغاط وجهك خلف الزجاج ، انكسار أنفك ، آخر ذكرى لي فيها ـ، أجمل ذكرى لي فيها .. سامحيني يا حياة . يا من شاءت الظروف أن يظل حبها عذريا ـ، مع أنني أكره الحب العذري .. سامحيني ، ربما انتظرتني طويلا ، لستة عشر عاما .. لا غير معقول أن تفعليها ..جنون أن تفع ...
آه أين كنت ؟ أين أنا؟ أين بسمة ؟ كم الساعة الآن ؟ جرس الهاتف يرن .. آن لها أن تتصل .. غير ممكن أن لا ....!!

( هلو نعم ... رباه ! إنها كلير ... كل... القادمة من بلاد بلفور ! قاتلي بل.. ! المتخرجة حديثا من كامبريدج ..
كلير التي ما زالت بلادها بكرا أمامي ، وأرضها صخرية، عصية ، عذراء، يباس ... نعم ! تحدثي إلي بالعربية لأنني في حال لا تسمح لي باستيعاب كل ما ستتفوهين به بالإنكليزية )
- أنا مشتاقة لك .. متى سأراك ؟
- تشتاق لك العافية ! الآن إذا تشائين .
- لا الآن لا أستطيع ، فيما بعد ، أردت أن أطمئن عليك وأشكرك على العشاء الجميل !
- كلير إنني أشعر بوحدة قاتلة ، ألا تأتين لتنقذيني منها ، لن أطلب إليك سوى أن نجلس ونتحدث .
- آسفة يا محمود ، أنا مشغولة الآن ولدي موعد ، ربما في المساء إذا تمكنت ، باي !
- كما تشائين يا كلير ، باي .
تركت المائدة كما هي ونهضت أجرجر جسدي التالف ... التالف إلى حد لم يبلغه من قبل إلا ما ندر .
دخلت غرفة النوم . طرحت نفسي بطنا على السرير . لم أكن قادرا على أن استلقي بالعكس ، فقد كان هاجس فنائي يستفحل بي ، يضيق على روحي الهشة الخناق ، ويصرخ في دخيلتي بصوت مرعب :
( ليس في حياتك إلا حقيقة واحدة ثابتة لا تتغير ، إنها صبرا ، وكل ما تبقى عابر ، كذب ضلال هروب ، صبرا اختصار زمانك ، صبرا اختصار حياتك ، صبرا اختصار شقائك ، فاركن إليها ، اغرق في خضم حمئها الدموي ، كل الأشياء تجيء وتروح ، وتروح وتجيء إلا حقيقتك الثابته صبرا ! صبرا التي ترزح في أعماقك ، صبرا المعلقة في شرايين قلبك ، السارية في دماء جسدك ، الجاثمة في صلب دماغك .. صبرا اختصار موتك ، رمز مسافات العذابات فيك ، ليالي الحزن الطويلة في عينيك ، تكثيف لحجم القتل في روحك المتعبة ، فاركن إليها ، وانشر حزنك على الملأ ، واجعل دماءك تخضب حمأ البوادي ، وافقأ باصبعيك عيون القيادات القميئة ، واهتك بجرحك أستار التقدم الزائف ، والنضال الكاذب ، واشهر موتك راية للعصر الزنيم ، عصر البساطير السراويل العباءلت ، عصر القمامات ، عصر التيجان الملكية والجمهورية ، عصر الحماقات الشعبية ، والأحزاب الخنفسائية ، الثورات المتخمة ، ثورات الخيبة ، عصر ادعاء الإنتصارات البطولات الفروسية ، عصر الهزائم ، عصر الشعوب الذبيحة والأرواح القتيلة ... )
( لا لا !! ) كان هذا هاجس بقائي وقد راح يصارع خصمه صارخا ، وأنا أعتصر بقبضتي يدي المخدة التي ألقيت رأسي عليها في محاولة لمساعدة جسدي على تحمل آثار الصراع بين هذين النقيضين اللدودين اللذين راحا يتقاذفان الشتائم والصراخ في دخيلتي المتصدعة :
( لا بسمة ليست عابرة أيها الوغد القاتل ، وليست أكذوبة ، بسمة فيض الينابيع التي لا تنضب ، خصب دائم التدفق في مواجهة موتك ، بلسم الجراح التي تثخننا بها ، بسمة اختصار فرحنا ، سر بقائنا ، أمل المستقبل فينا ، النور الذي يضيء متاهات دروبنا ، أعماق نفوسنا ، بسمة نبض الحياة فينا ، ربيع أرواحنا الوردي ، غيث دائم الهطول ، ندى يحط على روابينا ، بسمة الحقيقة الأزلية الراسخة وليس موتك ، لكنها مكبلة بحظر التجول خارج البيت ، بالقوانين بالمحرمات ، محكومة بالإقامة الجبرية ، مشدودة إلى عذريتها وفارس الأوهام !!
بألف قيد وقيد كبلوها ، بألف حجر حجروها ، لكنها ستجد منفذا عبر حجورها وتأتي ، ستحطم كل قيودها يوما وتأتي ، ستهدم كل أسوار سجونها يوما وتأتي .. ستاتي في ظل السحاب ، مع المطر ، ستاتي في الندى ، مع الصدى ، من المدى ، مع أسراب اليمامات ، برفقة الطالبات ، في الإبتسامات ، في أريج الزهور ، مع الطيور ، من الحقول ، على أجنحة النسور ، مع الصباحات ، في المساءات ، عند قيلولة الجميلات ، في فرح العشاق ، ، ستأتي ستأتي ستأتي في كل الكائنات )
( لا لا !! إنني أصرخ بكل هزيم الرعود ، ليست المسألة في أن تأتي بسمة أو لا تأتي ، المسألة في حقيقتك ، حقيقتي ، حقيقتنا الوحيدة الراسخة : صبرا !! صبرا صبرا !!وليس أمامك ولا مفر لك إلا أن تركن إليها !!)
( لا ! لا ! ! جسدي لم يعد يحتمل . أنت أيها الفناء القاتل ، لو ان في مقدوري أن أنتزعك من أعماقي، لأقذف بك إلى الجحيم ، لو أستطيع أن أحطم سكاكينك التي تطعن في أحشائي .. ابتعد عني ، ابتعد ، اخرج من بطينتي ، إنك تقتلني أيها القاتل . .. رباه يا يسوع ، يا ابن مريم ، إنني أموت ، وجسدي المتصدع المشروخ عاجز عن المقاومة .. أين الحبوب المنومة ؟ أحتاج إلى كمية كبيرة من الحبوب.... ثم اين سدادات الأذن ؟ أحتاج إلى ثلاث سدادات لكل أذن ! لا أريد أن أسمع شيئا من خارجي ، ولا أريد أن أسمع شيئا من داخلي ، ولأدفن جسدي في السرير ، لأدفن نفسي ، لأدفن .. لأدفن ... )
محمود شاهين
للنشر
مسك وعنبر وفيض مقدس / قصة محمود شاهين
مُساهمة السبت يونيو 26, 2010 2:32 am من طرف للنشر
مسك وعنبر وفيض مقدس !!
من المسائل غير المعقدة ( وربما المعقدة ، فأنا وللحق أشعر أنني بدأت أفقد المقدرة على التمييز بين المعقد وغير المعقد ) فالشيخ صابر لم يشم في حياته لا رائحة المسك ولا رائحة العنبر ، لندرة هذين النوعين من الطيب ، وصعوبة الحصول على مادتيهما الأساسيتين ، فالأول ( أي المسك ) وحسب ما يعرفه لنا المعجم الوسيط : ( ضرب من الطيب يتخذ من ضرب من الغزلان ) والثاني ( مادة صلبة لا طعم لها ولا ريح إلا إذا سحقت أو أحرقت ) ويقال أنه روث دابة بحرية ، قد تكون الحوت ! فمن أين تسنى للشيخ صابر أن يعرف أو يميز رائحتيهما ؟
على أية حال سنتجاوز مصاعب الحصول على هذين النوعين من الطيب ، ونفترض قسرا أن الشيخ صابر ممن تضمخوا ذات يوم بالمسك أو العنبر ، أو الإثنين معا ، إذ أن المشكلة الكبيرة والمعقدة للغاية ، ليست في أن يعرف الشيخ أو لا يعرف ، أو أن يميز أو لا يميز ، المشكلة في أن يشبه الشيخ رائحة ضراط الأعجف برائحة المسك والعنبر !! لاحظوا رائحة المسك والعنبر معا ، ولو أنه اكتفى برائحة واحدة لما عقد المسألة إلى هذا الحد .، وربما لما كانت معقدة إطلاقا ، غير أنه وبإطلاق هذا التشبيه على الضراط الأعجفي فتح بابا لم يكن من السهل على الحضور إغلاقه ، أو حتى العبور منه ..
لنطرق الواقعة من أولها :
كان الشيخ والساعد الأول وبعض (السواعد ) المقربين جدا يجلسون في حضرة الأعجف بكل مهابته . ومهابته هذه تعني أن الجلسة لم تكن جلسة عادية ، فهي أقرب إلى المكوث بين يدي أكبر وأعظم الآلهة طرا ، لكن ليس كما صوره علم الكلام المعتزلي ، أو محي الدين بن عربي ، أو حتى الأشعري والغزالي ، بل كما تتصوره مخيلة الأعجف . ، ومخيلة الشيخ صابر ، وكان في المستطاع أن تفض الجلسة دون أن تخرج عن حدود الطقس أو البروتوكول ، فوق العادي ، لو لم يضرط الأعجف ، فتحول ضرطته تلك الجلسة إلى الطور الخارق ، أو فوق فوق العادي ، إذ من التجني السافر والإجحاف المطلق بحق المتصوفة ، القول بأنها
تحولت إلى نوع من التصوف الروحي في حضرة تجل إلهي !!
كان كل شيء اقرب إلى الطقس العادي ، عندما مد الأعجف يده ليأخذ سيجارة من علبة السيجار التي أمامه على طاولة المكتب ، فامتدت عشر أيد بعشر ولاعات لتشعل له سيجاره ، عشر أيد وعشر ولاعات مع أن الموجودين كانوا تسعة فقط . وهذا يعني أن أحد الموجودين ( وهو الشيخ صابر قطعا ) مد يديه الإثنتين وبولاعتين !! وهو في الحقيقة كان يحرص على أن يحمل ولاعتين كلما ارتبط بموعد مع أحد قيادات القبائل الكثيرة والمتعددة ! يضع إحداها في جيبه اليمنى ويضع الأخرى في الجيب اليسرى ، وما أن يشاهد القائد يهم بإخراج سيجارة ، حتى يدخل يديه في جيبيه ويخرج الولاعتين ، ويمد يديه وهو يشعلهما معا ، فإذا ما عاكسته واحدة تقدم بالأخرى ، وإذا ما أشعلت الإثنتان ، فإنه يطفىء التي باليد اليسرى ويعيدها إلى جيبه .
لم يكن الأعجف قد أخذ سيجاره بعد عندما امتدت إليه الأيدي العشر بولاعاتها المشتعلة ( فقد حرص الشيخ على غير عادته أن يبقي على الولاعتين مشتعلتين ، لعله يحظى بشرف إشعال سيجار الأعجف ) وحقا حظي ، فقد أخذ السواعد الآخرون يعودون إلى مقاعدهم حين أدركوا أن ولاعتي الشيخ كانتا الأسرع إلى المبادرة والإقتراب من وجه الأعجف ، ثم إنهم أكدوا ولاءهم المطلق ، ورغبتهم العارمة في نيل شرف إشعال السيجار الأعجفي ، بنهوضهم وتقدمهم وإشعال ولا عاتهم !!
ابتسم الأعجف حين تنبه إلى الشيخ يمد يديه بولاعتين . هتف ( قبل أن يضع السيجار في فمه ) :
( أنت داهية يا شيخ ، بوجودك لا يمكن لأحد أن يسبق لللإشعال لي )
هتف الشيخ وقد نفد صبره من إبقاء الولاعتين مشتعلتين :
( إنه لأكبر شرف لي أن اكون دائما السباق إلى إشعال سيجاركم الطاهر ، وإنه لشرف أعظم لو أنكم تتيحون لي أن أبقى دائما في حضرة عظمتكم لأشعل لكم )
وضع الأعجف السيجار في فمه ، فيما كان الشيخ يطفىء الولاعة التي بيده اليسرى ويتقدم بالتي بيده اليمنى . وهنا بالضبط حدث الضرط التاريخي المهول ، فقد ارتأى الأعجف أن يرفع مؤخرته مليمترات عن الكرسي ليقرب رأسه من ولاعة الشيخ ، وليتيح للضراط الذي كان يضغط على بطنه - بعد تناول كميات متنوعة ومرعبة من الطعام – أن يتسرب من دبره .وهو وللحق كان يظن ان الضراط سيخرج عالهدى ( أي دون صوت ) ودون ان يثير رائحة كريهة للغاية . لكن ما جرى كان تاريخيا حقا ، ففي اللحظة التي رفع فيها الأعجف مؤخرته وهو يتكىء بمرفقه الأيسر فوق طاولة المكتب ، ويأخذ نفسا لإشعال السيجار ، انفلت صمام دبره مرة واحدة ليندفع منه ضرط مهول دوى في أرجاء حجرة المكتب ! نقز الأعجف وأطبق بمؤخرته على الكرسي في محاولة للحد من اندفاع أي انفجار آخر . ونظرا لأنه لم يكن يعرف أن ضراطه ( فيض مقدس ) حتى حينه ، فقد أحس بالخجل وسارع إلى الإعتذار ، فيما كان الصمت المطبق يلف وجوه السواعد ، والشيخ صابر الذي بقي واقفا دون حراك منتظرا مرور الفيض المقدس الذي قطع إشعال السيجار قبل أن يكتمل :
( آسف يا جماعة .. أشعر بمغص في معدتي ) !!
وهنا انبرى الشيخ صابر إلى القول ، بعد أن دار بوجهه بسرعة على الحضور :
( تتأسفون عظمتكم وأنتم تغمروننا بفيض بركتكم المقدس وقد حل علينا ) ؟!
وكانت الرائحة الكريهة للغاية قد أخذت تنتشر في فناء الحجرة ، رائحة ثوم وفجل وما شابه وقد تخمرت في معدة الأعجف ، ومرت عبر امعائه ، فغدت لا تطاق .
استدرك الشيخ قائلا :
( إنني اشتم فيه رائحة المسك والعنبر أيها الأخ الأكبر والقائد الأعظم )
وهنا ثنى الساعد الأول على ما قاله الشيخ :
( فعلا أيها العليم البصير إن لفيض بركتكم المقدس رائحة المسك والعنبر 11)
وانفتح الباب الذي لم يعرف السواعد الآخرون كيف سيدخلون منه أو يغلقونه ، لا لجهلهم بالأطايب والعطور فحسب ، بل لاعتقادهم أن أي نعت لن يرقى إلى ما تفوه به الشيخ ، ومع ذلك لم يجدوا إلا أن يضيفوا ما هب ودب على السنتهم على وصف الضرط التاريخي :
أضاف الساعد الثاني مكملا :
( بل والياسمين والنسرين ، المسك والعنبر والياسمين والنسرين )
وأضاف الثالث :
( والفل والنرجس والزنبق والقرنفل )
وراح الآخرون يعتصرون أدمغتهم ليخرجوا بأي تشبيه ، وحين وصل الدور إلى السابع كان ابن الكلب قد فطن إلى أطايب عجيبة ، فهتف :
( بل والند والنردن والنارنج ) وبهذا قطع الطريق تماما على الساعد الثامن ، فلم يجد إلا أن يقول ( بل روائع الأطايب والعطور كلها ، كلها مجتمعة أيها الثائر الأكبر)
ولحظتئذ فقط ، أدرك الأعجف أن ضرطه كان مقدسا وتاريخيا وجامعا لكل أنواع الأطايب والعطور ، فأطلق العنان لمؤخرته .
والحمد للذي يمكن أن يستحق الحمد ،أن الشيخ صابر لم يسمع بابن عربي والشيرازي والمتصوفة أجمعين ، ولم يعرف عن فلسفتهم شيئا ، وإلا لرأى في الضرط أحد أشكال التجليات الآلهية الأعجفيه باعتباره ( الضرط ) خاضعا لوحدة الوجود الإلهي الأعجفي ، ومع ذلك فإن رؤيته للضرط وتفسيره له ، لم يبتعدا كثيرا عن هذه النظرة .
المشكلة أن المسالة لم تتوقف عند حدود تشبيه رائحة ضراط الأعجف برائحة المسك والعنبر ، فقد تجاوزت ذلك إلى اعتبار برازه لؤلؤا منثورا ، ليغدو الضراط والبراز الأعجفيان – فيما بعد – حقيقة مقدسة ثابته لا يرقى إليها الشك الجماهيري !!
الذي لا يصدق ( وربما يصدق باعتبار الصدق اختلط بالكذب إلى حد يستحيل معه الفصل بينهما ) هو ان الأعجف نفسه – وهذا ليس غريبا عليه – بات بعد الواقعة وما دار حولها من تقولات ومبالغات وخرافات غير معقولة ، يشتم في ضراطه رائحة الطيب ويرى في برازه اللؤلؤ المنثور !!
1987
صدرت ضمن مجموعة (موتي وقط لوسيان ) عن وزارة الثقافة الفلسطينية في رام الله عام 1999



محمود شاهين
 

ألعبد سعيد

الرجوع الى أعلى الصفحة 

صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
الـمـصـباح .. مـجلـة نـوافـــــــــــــذ ثـقـافـيـة :: دروب أدبـيــة :: > قصص ورويات-
انتقل الى:  
المواضيع الأخيرة
» شنطة سفر
ألعبد سعيد  I_icon_minitimeالأحد أبريل 17, 2016 10:04 pm من طرف للنشر

» ومازلتُ أُكابر
ألعبد سعيد  I_icon_minitimeالأحد أبريل 17, 2016 9:24 pm من طرف للنشر

» خطوة إلى الوراء
ألعبد سعيد  I_icon_minitimeالأحد أبريل 17, 2016 5:02 pm من طرف للنشر

» أنا والستارة الخجولة/ الشاعرة ميسا العباس
ألعبد سعيد  I_icon_minitimeالسبت مايو 23, 2015 12:50 pm من طرف للنشر

» الراهبة / مختار سعيدي
ألعبد سعيد  I_icon_minitimeالسبت مايو 23, 2015 12:42 pm من طرف للنشر

» حلم كأنت/ ميساء البشيتي
ألعبد سعيد  I_icon_minitimeالسبت مايو 23, 2015 12:38 pm من طرف للنشر

» هل أسري أو عرج برسول قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم
ألعبد سعيد  I_icon_minitimeالجمعة مايو 22, 2015 2:53 pm من طرف اسكن عيونى

» الذئاب /حنان علي
ألعبد سعيد  I_icon_minitimeالجمعة مايو 22, 2015 12:46 pm من طرف للنشر

»  نحو نقد ادبي موضوعي /د انور غني الموسوي
ألعبد سعيد  I_icon_minitimeالجمعة مايو 22, 2015 12:14 pm من طرف للنشر

» ما المشاهد التي تستفيد منها الأمة في رحلة الإسراء
ألعبد سعيد  I_icon_minitimeالثلاثاء مايو 12, 2015 5:15 am من طرف اسكن عيونى

» تجليات المعراج
ألعبد سعيد  I_icon_minitimeالسبت مايو 02, 2015 9:55 am من طرف اسكن عيونى

» سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ
ألعبد سعيد  I_icon_minitimeالأربعاء أبريل 29, 2015 8:36 pm من طرف اسكن عيونى

» ديوان عنترة بن شداد ? - 22 ق. هـ / ? - 601 م
ألعبد سعيد  I_icon_minitimeالثلاثاء أبريل 28, 2015 5:02 am من طرف للنشر

» قراءةٌ في رواية ديبورا ليفي (السّباحة إلى المنزل)
ألعبد سعيد  I_icon_minitimeالإثنين أبريل 27, 2015 11:20 pm من طرف للنشر

» ابو بدر ياسين حيدر في الميدان يرحب بكم
ألعبد سعيد  I_icon_minitimeالإثنين أبريل 27, 2015 11:00 pm من طرف للنشر

المواضيع الأكثر شعبية
عرض كتاب الأسطورة في الشعر العربي الحديث
المنهج الجمالي عند الغرب/هدى قزع
آخر ما توصل إليه العلم في نيل السعادة
شفرة دافينشي" تفضح اسرار لوحة "العشاء الاخير
الأدب المقارن /هدى قزع
شعر النقد الاجتماعي في العصر العباسي /هدى قزع
قصيدة ابن الرومي في رثاء مدينة البصرة
مفهوم الأدب عند الجاحظ في كتابه البيان والتبيين
عرض كتاب الأسلوب والأسلوبية للمسدي / هدى قزع
كتاب العربية نحو توصيف جديد في ضوء اللسانيات الحاسوبية / تأليف:أ.د.نهادالموسى
المواضيع الأكثر نشاطاً
ديوان عنترة بن شداد ? - 22 ق. هـ / ? - 601 م
موسوعة محمود درويش
رســــــــــــــــائل حب إلهيه
خلف النافذة الرمادية/ حسين خلف موسى
يسألوني عن وجعي وأنت وجعي
آخر ما توصل إليه العلم في نيل السعادة
قصيدة بعنوان بئسَ الهوى
قصيدتي الجديدة بعنوان: عرّابي
ألعبد سعيد
ميـــ ــلاد
المتواجدون الآن ؟
ككل هناك 3 عُضو متصل حالياً :: 0 عضو مُسجل, 0 عُضو مُختفي و 3 زائر

لا أحد

أكبر عدد للأعضاء المتواجدين في هذا المنتدى في نفس الوقت كان 33 بتاريخ الثلاثاء مارس 30, 2021 6:51 pm